لاجئو لبنان يواجهون تقليص خدمات "الأونروا" بالاحتجاج والتمسك بالهوية الفلسطينية
لاجئو لبنان يواجهون تقليص خدمات "الأونروا" بالاحتجاج والتمسك بالهوية الفلسطينية
في مشهد يعكس عمق القلق والغضب المتصاعد داخل المخيمات الفلسطينية، شارك عشرات اللاجئين الفلسطينيين، الأربعاء، في وقفة احتجاجية أمام مقر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في العاصمة اللبنانية بيروت، رفضاً لتقليص خدمات الوكالة الأممية، وتحذيرا من تداعيات هذه الإجراءات على واقع إنساني هش يزداد سوءا يوما بعد آخر.
وبحسب بيان صادر عن الجهات المنظمة، جاءت الوقفة بدعوة من لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، واللاجئين الفلسطينيين من سوريا، إلى جانب الحراكات الشعبية في المخيمات، في محاولة لتوحيد الصوت الفلسطيني في وجه ما وصفوه بسياسات تقشفية تمس جوهر حق اللاجئين في التعليم والصحة والإغاثة، ونقل البيان تفاصيل الفعالية، وفق وكالة أنباء الأناضول.
حضور واسع ورسائل واضحة
وشهدت الوقفة مشاركة ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، والمؤسسات الأهلية، واللجان الشعبية، إلى جانب فعاليات اجتماعية وتربوية من مختلف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في دلالة واضحة على اتساع دائرة الاعتراض، وتحول القضية إلى مطلب جامع لا يقتصر على فئة دون أخرى.
ورفع المشاركون شعارات تؤكد تمسكهم بدور الأونروا كشاهد دولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ورفضهم أي تقليص يمس الخدمات الأساسية، معتبرين أن هذه الإجراءات تضرب في الصميم استقرار عشرات آلاف العائلات التي تعتمد بشكل شبه كامل على الوكالة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية شديدة القسوة.
أزمة مالية وضغوط سياسية
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت قلصت فيه الأونروا خدماتها في لبنان، على خلفية أزمة مالية خانقة تفاقمت بعد فرض إسرائيل عقوبات عليها، بزعم تورط موظفين في الوكالة بالهجوم الذي شنته حركة حماس على قواعد عسكرية ومستوطنات إسرائيلية بمحاذاة قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023.
ورغم نفي أونروا صحة هذه الادعاءات، وتشديد الأمم المتحدة على التزام الوكالة بمبدأ الحياد، فإن تداعيات القرار انعكست مباشرة على اللاجئين، عبر تقليص برامج الدعم الصحي والتعليمي والإغاثي، ما أثار مخاوف واسعة من انهيار شبكة الأمان الوحيدة المتبقية لهم.
وفي حين أعلنت حماس آنذاك أن هجومها جاء ردا على ما وصفته بجرائم الجيش الإسرائيلي اليومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى، وجد اللاجئون أنفسهم يدفعون ثمن صراع سياسي وأمني لا يد لهم فيه، بحسب ما أكده مشاركون في الوقفة.
مطالب بتحسين الخدمات
وخلال الوقفة، ألقى مسؤول اللجان الشعبية في تحالف القوى الفلسطينية في لبنان، ماهر عويد، كلمة دعا فيها أونروا إلى تحسين خدماتها وتطوير أدائها الإغاثي والصحي والتعليمي، مؤكدا أن تقليص الخدمات يأتي في وقت تزداد فيه معاناة اللاجئين نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة في لبنان.
وشدد عويد على أن اللاجئين الفلسطينيين بحاجة إلى المزيد من الدعم، لا إلى تقليصه، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع القدرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وأضاف أن جميع اللاجئين يرفضون بشكل قاطع تقليص خدمات أونروا، ويستنكرون ما وصفه بالتجاهل المتعمد للهوية الوطنية الفلسطينية ولجوهر القضية الفلسطينية.
الهُوية الوطنية في قلب الاحتجاج
ولم يقتصر الاحتجاج على الجانب المعيشي والخدماتي، بل امتد ليشمل قضية المناهج التعليمية والهوية الوطنية. وفي هذا السياق، تحدثت فاطمة الأمين باسم أهالي الطلاب، معبرة عن استنكارها لما وصفته بالإساءة التي ارتكبتها أونروا بحق الهوية الوطنية الفلسطينية داخل مؤسساتها التعليمية.
وأكدت الأمين أن اللاجئين الفلسطينيين ينتمون إلى فلسطين، ويرفضون بشكل قاطع حذف أي مادة تتعلق بتاريخهم أو جغرافيتهم أو هويتهم الوطنية من المناهج الدراسية، وقالت إن المساس بالمحتوى الوطني في التعليم يمثل خطرا لا يقل جسامة عن تقليص الخدمات، لأنه يستهدف الوعي والذاكرة الجمعية للأجيال الفلسطينية الناشئة.
خريطة بلا فلسطين
ومع بداية العام الدراسي الحالي، أثار إدخال كتاب تطبيقي جديد لمادة الجغرافيا للصف السادس في مدارس الأونروا موجة غضب واسعة، بعد أن تبين أنه لا يتضمن اسم فلسطين على الخريطة.. واعتبر الأهالي والناشطون هذا الأمر إنكارا صريحا للهوية الوطنية الفلسطينية، وتجاوزا خطيرا لدور الوكالة الأممية.
هذا التطور أشعل احتجاجات داخل المخيمات، واعتبره المشاركون في وقفة بيروت دليلا إضافيا على تراجع التزام أونروا برسالتها التاريخية، مطالبين بتصحيح فوري للمناهج، وضمان احترام الرواية الفلسطينية وحق اللاجئين في تعليم يعكس هويتهم وقضيتهم.
صوت الطلاب
ومن داخل الوقفة، تحدث الطالب حسن القط، باسم طلاب مدارس أونروا، موجهاً التحية إلى الحراكات الشعبية التي رفضت حذف خريطة فلسطين من المناهج الدراسية.
وأكد أن الطلاب الفلسطينيين يقفون إلى جانب أهاليهم ومجتمعهم في مواجهة ما وصفه بسلوك أونروا الذي يمس بالثوابت الوطنية.
وقال القط إن الجيل الفلسطيني الشاب يتمسك بقضيته وبهويته، ويرفض أي محاولة لتشويهها أو تغييبها، مشددا على أن التعليم ليس مجرد مواد دراسية، بل هو وسيلة للحفاظ على الذاكرة والحقوق.
كما ألقت إيمان سالم كلمة باسم الحراكات النسائية في مخيم عين الحلوة للاجئين، شددت فيها على ضرورة تحسين خدمات الأونروا، ووقف أي اعتداء على المحتوى الوطني الفلسطيني، وأكدت أن النساء في المخيمات يقفن في الصفوف الأمامية للدفاع عن حق أبنائهن في التعليم والصحة والكرامة، وعن هوية لا يمكن التنازل عنها مهما اشتدت الأزمات.
واقع إنساني هش
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 200000 لاجئ فلسطيني في 12 مخيما في لبنان، يعتمدون بشكل أساسي على خدمات أونروا في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، ويعيش هؤلاء اللاجئون أوضاعا معيشية صعبة، تفاقمت بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها لبنان منذ سنوات.
وتؤدي أونروا دورا محوريا في حياة اللاجئين الفلسطينيين منذ تأسيسها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، حيث تتولى تقديم خدماتها لنحو 6000000 لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس، وهي الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
تأسست وكالة أونروا عام 1949 لتقديم الإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم عقب نكبة عام 1948، وتحوّلت على مدار العقود إلى العمود الفقري للخدمات الأساسية في المخيمات الفلسطينية، ومع تصاعد الأزمات السياسية والمالية، تعرضت الوكالة لضغوط متزايدة أدت إلى عجز مالي متكرر، انعكس تقليصا في البرامج والخدمات.
في لبنان، حيث يُحرم اللاجئون الفلسطينيون من العديد من الحقوق المدنية والاقتصادية، تشكل خدمات أونروا شريان حياة لا غنى عنه، لذلك ينظر اللاجئون إلى أي تقليص أو تغيير في دور الوكالة، سواء على المستوى الخدمي أو التعليمي، باعتباره تهديدا مباشرا لاستقرارهم، ومحاولة غير مباشرة للمساس بحقوقهم التاريخية وهويتهم الوطنية، وهو ما يفسر تصاعد الاحتجاجات والتحركات الشعبية دفاعا عن أونروا ودورها، وفي الوقت ذاته مساءلتها والضغط عليها للالتزام بمسؤولياتها كاملة.










